محمد سعيد الطريحي
64
الشيعة في العصر المغولي ( 932 - 1274 ه )
تشغل حيزا كبيرا من تفكيره . كما نعتقد بانّ ، دينه الذي أبتدعه ، إن صح ذلك ، فإنما يكون لرجال القصر والحاشية الذين كانوا خليطا من الناس وكان من الواجب أن يؤلف بين قلوبهم في نظام خاص لا علاقة له بالمعتقد ، أما وأنه لو كان يحرص على نشر هذا الدين خارج القصر لرأيناه يفعل شيئا في سبيل ذلك ثم لرأينا كثيرا من المنافقين والمتزلفين والانتهازيين والطامعين يؤمنون بهذا الدين ، وهذا مما لم يحدث . ثالثا - لو صح ما أتهم به لرأينا العلماء يفتون بكفره وبقتله ، وهذا ما لم يحدث أيضا . رابعا - إذا صحّ أن بعض الناس قد نسبوا إليه دعوى النبوة أو الألوهية فإنه هو غير مسؤول عن عقائد الناس ، والهنادكة الذين تعودوا أن يروا آلهتهم تسير على الأرض ، يسرهم بأن يؤمنوا بهذا الإله العظيم ، فهم إذن الذين نحتوا له صنما وعبدوه . وأما تقرب « أكبر » من الهنادكة وغيرهم من أهل الهند فقد فعل نابليون بعده مثل فعله ، فأسلم في مصر ولبس العمة وعاش عيشة المماليك المصريين ، حتى ظن الناس لا بل وادعى كثير منهم بأنه مسلم ، وقاوم البابا والكنيسة حتى ظنّ كثير من الناس بأنه ملحد ، ولكنه لما مات مات مسيحيا مؤمنا بدينه ، ولربما لو كان نابليون عاشر الهنادكة أو البوذيين أو غيرهم لصار منهم أو حسبه هؤلاء أنه منهم ، فمهمة الملك مهمة عويصة لا يدرك صعابها إلا من يعانيها لا سيما في أيام كان الدين في الحياة كل شئ . ومن الجدير بالذكر أن عصر « أكبر » كان من أزهى العصور ، وكانت الهند في زمانه تعج بالعلماء والفقهاء والمرشدين العاملين والمتصوفين العاكفين ، وكانت دعائم الإسلام قوية وثابتة ، وكان الهنادكة يدخلون في الإسلام أفواجا بعد ما رأو من الحرية التي منحها لهم الاسلام في ظل مليكهم المتسامح الفذ ، وما جرى من الاصلاحات في عهده الزاهر فقد أدار الهند إدارة ممتازة قل من سدد لمثلها في الأوائل والأواخر ، لأنه إلى زمانه هو كانت سلطنة الهند غير متركنة على قواعد ثابتة ، ولا سائرة بأنظمة مقررة ، بل كان السيف وحده حكما ، وكانت الثورات متصلة ، وأهواء الاشخاص هي الغالبة . فبنى أكبر دولته هذه على أصول إدارة جديدة ، فارسية مغولية ، غاية في الضبط والدقة ، ورفع استبداد الامراء ، وأزال الفوضى من البلاد ، وجذب إلى الأبواب السلطانية أولئك الامراء والملوك